الكابوس
( 1 )
تجاوزت الساعة الثانية صباحا , في تلك الليلة الباردة من ليالي العقد الثالث من القرن الحادي و العشرين , عندما خيم السكون على تلك المنطقة المتاخمة لحدود القاهرة الجديدة .. و انتشر الضباب ليكمل تفاصيل لوحة الصمت , و ....
ارتفع الزئير – زئير غاضب – ليحيل الصمت إلى أنشودة الفزع , و من خلف إحدى البنايات ظهر
( جاسر ) – أشهر لص تصميمات ألكترونية في القرن الحادي و العشرين – و أنفاسه تتقطع
.. ينظر خلفه بفزع و رعب .
و سرعان ما برز من نفس المكان أسد هائل الحجم .. مطلقا
زئيرا مخيفا .. ظهر و هو يعدو بسرعته الهائلة نحو ( جاسر ) ... ( جاسر ) الذي خارت
قواه تماما ..
اقترب الأسد رويدا رويدا .. و سرعة ( جاسر ) تقل رويدا
رويدا .. ثم كانت القفزة الهائلة .. ليغرز الأسد مخالبه في ظهر ( جاسر ) , الذي
حاول أن يتملص منها فقط ليرتطم وجهه بأنفاس الأسد اللاهثة .
فغر الأسد فمه ليظهر أسنانه الشبيهه بفكي الموت .. صرخات
( جاسر ) تصم الآذان .. أنياب الأسد تقترب من عنقه منذرة بإنهاء حياته ..
لا مهرب ..
لا مفر ..
لا ....
و..
و استيقظ من نومه .. العرق البارد يغمر جبينه .. الكابوس
ذاته و لمدة أسبوع بأكمله , منذ قرر أن يسرق تلك التصميمات الحديثة للآلي
الجديد .. رجل العدالة كما أطلقوا عليه في
مركز تطوير الآليين .... يطارده في سباته ليلا و في غفوته نهارا .. يطارده حتى لو
أغمض عينيه فقط .. و الأسد .. الأسد
الهائل الذي يقترب بأنيابه من عنقه كل مرة .. و الليلة تحديدا كادت الأنياب أن تمس
عنقه .. و الليلة تحديدا هي الليلة التي قرر فيها أن ينفذ سرقته ..
=======================
( 2 )
انتصفت الليلة أو كادت , عندما تأهب ( جاسر ) للخروج من
منزله , و هو يحمل حقيبة أدواته .. التوتر مازلال مخيما عليه .. لكنه بعزيمة
اكتسبها من حياته الحافلة ألقى كل هذا وراء ظهره , و هو يقود سيارته باتجاه أطراف المدينة .. حيث
يقبع مركز تطوير الآليين ..
أوقف ( جاسر ) سيارته على مبعدة من المركز , و ترجل منها
مرتديا حلته السوداء و حاملا حقيبة أدواته خلف ظهره .. لقد درس المكان جيدا ..
الحراسة تجعل الأمر مستحيلا للوهلة الأولى .. لكنه يعلم يقينا لا يوجد نظام امنى
خالي من الثغرات ..
يعلم أن الحراسة
البشرية لن تعيقه .. المشكلة التي كانت تواجهه كانت عين الحراسة الطائرة .. لكن
حتى هذه استطاع أن يجد وسيلة لتجاوزها .. وسيلة تمرن عليها عدة مرات خلال الأسبوع
المنصرم .. التوقيت الدقيق و السرعة .. ليستغل زمن قدره ثلاث ثوان .. ثلاث ثوان
فقط يصبح فيها مخرج نفايات المركز خاليا بدون حراسة ..
سرعة ..
دقة ..
لياقة و مرونة ..
ثم اصبح داخل المركز ..
حلته السوداء تفرز برودة تغمر جسمه بأكمله لتراوغ اجهزة
التقاط الحرارة .. جاز صغير في حقيبته يصدر ذبذبات لتعيق عمل أجهزة التقاط
الذبذبات الدخيلة ..
يتجول بحرية في أرجاء المركز ..
البطاقة المغنطيسية الذي يحمله , سيتيح له أن يمر عبر
الأبواب المغلقة .. ليصل لهدفه .. غرفة التصميم .. التي تحمل عبارة سري للغاية ..
أدخل البطاقة في جهاز تحقيق الشخصية .. التي تحولت شاشته
الفيروزية إلى اللون الأزرق الفاتح .. فوضع ( جاسر ) قفازه الذي يحوي نقشا لبصمة
ما على شاشة الجهاز ، فانفتح الباب بهدوء
دلف ( جاسر ) بخفة قبل أن يغلق الباب خلفه بنفس الصمت ..
جهاز الحاسب الآلي .. العقل الإلكتروني الرئيسي .
الذي لا يطفأ أبدا .. يقبع في منتصف الحجرة و شاشته البلورية تعلن عن
استعدادها للتعاون ..
( جاسر ) يقترب و ينسخ التصميم الذي أتى من اجله على قرص
مدمجة .. ثوان معدودة و كان التصميم بحوذته .. وضع القرص الثمين في غلاف خاص في
حقيبته , و استعد للمغادرة .. لكن وجده هناك في مدخل الغرفة ..
صامتا ..
متأهبا ..
مهيبا ..
منتظرا ..
مخيفا ..
رجل العدالة ..
=======================
( 3 )
تراجع ( جاسر ) سريعا , و هو ينظر إليه , متسائلا : كيف
صنعوا هذا العملاق دون ان تتسرب معلومة عن عملية التصنيع .. كان يظن أن الأمر لا
زال في طور التخطيط فقط .. لكن رجل العدالة فاجأه لينسف يقينه هذا ..
تلفت ياسر حوله محاولا أن أن يجد مخرجا .. ثم تحرك رجل
العدالة بنفس الهدوء المخيف الذي يميزه .. و برود الآلة ..
ثم ارتكب ( جاسر ) خطأ قاتلا .. أخرج سلاحه و أطلق أشعته
على رجل العدالة .. الذي راوغ الأشعة بسرعة ثم انطلق في اتجاه ( جاسر ) , الذي
تعثر في جهاز الحاسب .. فارتجت شاشته و هنا حدث شيء عجيب جدا ..
انطلق رجل العدالة ليعيد التوازن لها قبل ان تسقط ..
فأيقن ( جاسر ) أن هذه النقطة ربما تكون وسيلته للهرب .. فأخذ يطلق اشعة سلاحه نحو
الأجهزة الموجودة بالغرفة .. و الآلي يتحرك بسرعة البرق ليتصدى لها قبل أن تدمر
الأجهزة الثمينة ..
لاحظ ( جاسر ) فرجة في باب الغرفة , فانطلق فارا و هو
مستمرا في اطلاق اشعته .. و متتبعا الطريق
الذي دخل منه .. حتى ألفى نفسه خارج المركز .. فظن انه نجا
لكنه وجده امامه .. كيف أتى ؟ لا وقت لمثل هذه الأسئلة
.. المهم ان يهرب قبل أن يقضي عليه الآلي ..
و للمرة الأولى أطلق رجل العدالة أشعته .. أطلقها من عينيه
.. حاول ( جاسر ) أن يبتعد عن مسارها , و
كاد ينجح لكن اخترقت الأشعة ذراعه .. ترنح قليلا و حاول أن يستعيد توازنه .. لكن
الآلي أطلق أشعته مرة اخرى لتصيب سلاح ( جاسر ) ... هل الآلي لا يريد قتله ؟؟
يستطيع ببساطة ان يصيب رأسه بدفقة مباشرة من الأشعة ..
لكن ( جاسر ) ألقى هذا التساءل خلف ظهره و هو يخرج قنبلة
.. قنبلة أمونية شديدة الفتك و التدمير .. و القاها على الآلي و انطلق يعدو .. أما
الآلي فقد اطلق من تجويف يشبه الفم في وجهه رذاذا سرعان ما تماسك ليتلف حول
القنبلة .. كاتما إنفجارها و مانعا لآثاره .. ( جاسر ) يعدو .. و الالي يتوقف
ليلتقط شيئا ما من على الأرض ..
( جاسر ) يعدو باتجاه سيارته و الآلي بدأ في مطاردته ..
( جاسر ) ينطلق بسيارته بسرعة .. نحو المناطق السكنية .. و الآلي يعدو خلفه بسرعة
مخيفة .. ذكرى الكابوس تغزو عقل ( جاسر ) .. كاد يرى الأسد خلفه ..
ينطلق صاروخ حراري من تجويف في صدر الآلي .. ( جاسر ) يراوغ و يناور .. و يطلق شعلة نار من مخرج صغير في مؤخرة السيارة ..
الصاروخ ينجذب إلى شعلة النار .. لكن الالي لم يلتفت إلى
هذا .. ( جاسر ) يكاد يسمع زئير الأسد .. الآلي يتوقف ليطلق كبسولة صغيرة من أحد
اصابعه .. ما إن رآها ( جاسر ) حتى أصابه الفزع ..
هل هي طلقة ببصمته الجينية .. لقد نزف بالفعل .. و هذا
سر توقف الآلي .. لقد التقط إحدى قطرات دمه و حللها ..
لا مهرب ..
ستصيبه لا محالة .. تسيطر ذكرى الكابوس عليه .. الأسد
يقترب .. و الآلي يتوقف .. يحاول أن يفر .. الزئير يرتفع .. الكبسولة تقترب ..
الأسد يفغر فاه .. الكبسولة تكاد تمس سيارته .. الأسد يبرز انيابه .. الكبسولة تخترق
سيارته .. الأنياب القاتلة تمس عنقه .. الكبسولة ترتطم به ..
و ..
و ..
و غرس الأسد أنيابه ..
النهاية
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق